الحراك: أنواعه وأمثلة عنه وفرص التعلّم

بيتنا أونلاين


تاريخ النشر 2023-10-12

عدد المشاهدات 93

أقل من دقيقة للقراءة

الحراك: أنواعه وأمثلة عنه وفرص التعلّم

هناك عدد لا يحصى من الأزمات والقضايا التي يعاني منها العالم اليوم، مثل الفقر والعنصرية وعدم المساواة بين الجنسين وغيرها. ولكن كيف يمكننا إحداث تغيير؟ عندما يقوم فرد أو مجموعة بالتعاون في جهود لتغيير الوضع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو البيئي أو الثقافي، فإنهم يمارسون ما يُسمى بـ "الحراك" (Activism). لقد عمل النشطاء على مدار قرون لتحقيق انتصارات كبرى مثل إنهاء العبودية وإقرار حق المرأة في التصويت والمساواة في الزواج. في هذا المقال، سنستكشف أنواعاً مختلفة من الحراك، ونقدّم أربعة أمثلة من التاريخ، بالإضافة إلى فرص للتعلّم.

يُشار إلى الحراك باعتباره مجموعة الجهود والإجراءات التي يتم اتخاذها لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية والثقافية. وتتضمن أنواع الحراك المسيرات والكتابة والتنظيم المجتمعي والفن الاحتجاجي -الأعمال الإبداعية التي ينتجها الناشطون والحركات الاجتماعية- وجمع التبرعات والإضرابات والنشاط الرقمي.

ما هي أنواع الحراك؟

هناك عدة أنواع من الحراك. لتحقيق نسبة أكبر من النجاح وجذب أكبر عدد ممكن من الأشخاص للمشاركة، يستخدم النشطاء العديد من الأساليب، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الأساليب السبعة التالية:

1 –  المسيرات

تُعدّ المسيرات واحدة من أشكال الحراك الأكثر وضوحاً وشيوعاً. إذ يُنظم الأفراد أو المجموعات مظاهرات ضخمة على طول مسار محدّد، ويجتمع الناس في وقت محدّد ويستمعون إلى الخطب، ثم يتجهون نحو وجهتهم. ونظراً لأن المسيرات واضحة جداً، فهي وسيلة فعّالة لرفع مستوى الوعي وجذب انتباه وسائل الإعلام. عادةً ما يحمل المتظاهرون لافتات أو أدوات أخرى للتعبير عن دعمهم للقضية والمطالبة بتحقيق تغييرات محدّدة. على سبيل المثال، شارك نحو 250 ألف شخص في "المسيرة إلى واشنطن" من أجل الوظائف والحرية في عام 1963، وفيها ألقى مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير "لدي حلم".

2 – الكتابة

بعض أبرز النشطاء في التاريخ كانوا أيضاً كتّاباً استخدموا مهاراتهم الكتابية لتثقيف المجتمع وتطوير الأفكار والدعوة للتغيير. انتشرت كلماتهم في جميع أنحاء العالم. وفي العديد من الحالات، تظل كتاباتهم ذات أهمية كبيرة حتى بعد وفاتهم.

على سبيل المثال، قام فريدريك دوغلاس بكتابة مجموعة مذكرات ومقالات حول إلغاء العبودية بعنوان "قصة حياة فريدريك دوغلاس" (Narrative of the Life of Frederick Douglass) عام 1845، وأصبح الكتاب من أكثر الكتب مبيعاً في ذلك الوقت وأصبح نصاً أساسياً في حركة إلغاء العبودية. ومازالت دراسة سيرة دوغلاس والأعمال الأخرى التي كتبها ذات أهمية كبيرة حتى اليوم.

3 –  تنظيم المساعدات المتبادلة

تشير عملية تنظيم المساعدة المتبادلة إلى تبادل المساعدات والدعم بين الأفراد أو المجتمعات لتلبية احتياجاتهم المختلفة. يتم تحقيق ذلك من خلال تنظيم وتنسيق الجهود المشتركة وتبادل الموارد والخبرات بين الأفراد أو المجموعات المشاركة.

تعتمد المساعدة المتبادلة على الاعتقاد بأن الحكومة والأنظمة وحدها غير كافية في تلبية احتياجات الناس. وبدلاً من الاعتماد على جهات فاعلة خارجية، يقوم الأفراد بمشاركة الموارد والدعم بحرية بين بعضهم البعض. تعتمد شبكات المساعدة المتبادلة على مبادئ التعاون والمشاركة والعمل المباشر والتضامن وغيرها من القيم.

يمكن أن يشبه هذا النوع من الحراك "تقديم الصدقات"، ولكن المساعدة المتبادلة تتم من خلال تبادلات طوعية وعلاقات ذات اتجاهين بدلاً من العلاقات ذات الاتجاه الواحد. وغالباً ما تصبح المساعدة المتبادلة أكثر أهمية في فترات الأزمات مثل أزمة فيروس كورونا، حيث يحتاج الناس إلى دعم وتعاون بعضهم البعض لتخطي التحديات والصعوبات.

4 – الفن الاحتجاجي

يُعتبر الفن البصري والموسيقى والأدب والعروض الحية وغيرها من وسائل التعبير الفني وسائل قوية يستخدمها الفنانون لتحدي الأوضاع الحالية، والاحتجاج على الظلم، وتعزيز الدعوة للتغيير على مر العصور.

عندما يتعامل الأفراد مع الفن، يمكنهم أن يشعروا بمجموعة متنوعة من المشاعر مثل السعادة، والحزن، والغضب، والإلهام، والتأمل، والتأثر العاطفي. يتفاعل الفرد مع المحتوى الفني ويستجيب له بشكلٍ شخصي، حيث يمكن للفن أن يلامس الجوانب العميقة في الوجدان. ولدى الفن القدرة على تخطي حواجز اللغة والثقافة من خلال اللوحات والتصوير والموسيقى، مما يجعل فن الاحتجاج أحد أكثر الأشكال العالمية للحراك.

علاوة على ذلك، يمكن للفن أن يُعبّر عن قضايا اجتماعية وسياسية معقدة ويوصل رسائل قوية تتعلق بالعدالة والتعاون والتغيير، وأن يعمل كوسيلة للتواصل والتفاعل بين الناس، حيث يتمتع بالقدرة على إلهام وتحفيز الجمهور وخلق وعي اجتماعي.

5 – جمع التبرعات

جمع التبرعات هو عملية جمع الأموال لصالح المنظمات غير الربحية والناشطين والحركات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. إنها واحدة من الوسائل الأكثر شيوعاً التي يستخدمها الأثرياء للمساهمة في الأنشطة الخيرية، يمكن لأي شخص المشاركة، حتى لو لم يكن قادراً على التبرع بالمال بنفسه. فكيف يتم ذلك؟ يتطلب جمع التبرعات مجموعة من المهارات مثل التواصل الممتاز، والإبداع، والصبر، والالتزام، والمرونة.

يمكن للأفراد مساعدة المنظمات في جمع الأموال من خلال تعزيز الوعي ونشر الخطابات عبر الإنترنت، والتواصل مع الشركات المحلية ورجال الأعمال لطلب الدعم، وتنظيم الأحداث والفعّاليات لجذب الاهتمام وجمع التبرعات. يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإنشاء حملات توعية وجمع التبرعات عبر الإنترنت للوصول إلى جمهور أوسع.

6 –  الإضرابات

عندما يُطالب الموظفون بأجور أفضل أو بيئات عمل أكثر أماناً أو تغييرات أخرى في وظائفهم، قد يرفض أصحاب العمل طلباتهم، وفي حال عدم التوصُّل إلى اتفاق، يحقُّ للموظفين اللجوء إلى الإضراب، وهو توقف عن الحضور إلى العمل.

بدأ الناس بالاحتجاج عبر الإضرابات العمالية منذ قرونٍ مضت. وفي الولايات المتحدة، قامت نقابة الكتاب الأمريكية واتحاد "Sag-Aftra" الذي يمثل ممثلي هوليوود بالإضراب في صيف 2023 احتجاجاً على توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ومطالبة برفع أجورهم.

7 –  الحراك الرقمي

الحراك الرقمي هو تصاعد النشاط والتعبئة الاجتماعية والسياسية عبر وسائل التواصل الرقمية وشبكة الإنترنت. يعتمد الحراك الرقمي على استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم الحملات والمظاهرات والتعبير عن الرأي ونشر الأفكار والمعلومات. عقب ظهور الانترنت، أدرك النشطاء إمكانية التواصل والحشد على نطاق واسع، وأصبحت رسائل البريد الإلكتروني والمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات قيّمة للنشطاء، خاصةً عندما تكون أشكال الحراك العامة محفوفة بالمخاطر. يمكن للحراك الرقمي أن يعزز الوعي بالقضايا، ويجمع المؤيدين من جميع أنحاء العالم، ويوفر وسائل للتبرع بالأموال. وقد تلقّى الحراك الرقمي بعض الانتقادات لعدم فعّاليته مثل أشكال الحراك الأخرى، ولكن بالنسبة للكثير من الأشخاص، فإنه طريقة آمنة إلى حدٍ ما.

أربعة أمثلة للحراك عبر التاريخ

فيما يلي أربعة أمثلة للحراك عبر التاريخ، حيث استخدمت الحركات المذكورة استراتيجيات متنوعة لتحقيق أهدافها وتحقيق التغييرات في المجتمع.

1)  حركة "مناهضة الفصل العنصري" في جنوب أفريقيا (Anti-Apartheid Movement)

كانت حركة "مناهضة الفصل العنصري" في جنوب أفريقيا (Anti-Apartheid Movement) حركة عالمية تهدف إلى إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ومحاربة التمييز العنصري والظلم الذي فرضه النظام على الأفارقة السود في البلاد.

تأسست الحركة في الخمسينيات وشملت شبكة من المنظمات والفرق والأفراد في جميع أنحاء العالم. تضمنت مشاركة الحكومات، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات، والأفراد في الحركة. 

استخدمت الحركة مجموعة من الأدوات والتكتيكات للضغط على النظام العنصري، بما في ذلك المظاهرات السلمية والمقاطعة الاقتصادية وحملات الحظر والعزلة الدولية. تمتلك الحركة دوراً هاماً في تعزيز الوعي العالمي بالوضع في جنوب أفريقيا وتحقيق التغييرات السياسية والاجتماعية.

تمكنت حركة "مناهضة الفصل العنصري" من تحقيق نجاحات هامة، بما في ذلك فرض عقوبات دولية على النظام العنصري وتعزيز العزلة الدولية لجنوب أفريقيا. وفي نهاية المطاف، وبحلول الثمانينيات، كانت حكومة جنوب أفريقيا تشعر بالضغط في الداخل ومن المجتمع الدولي. ومع توقف الدعم للفصل العنصري، اضطر القادة إلى التفاوض على إنهاء النظام، وتم تشكيل حكومة ديمقراطية جديدة عام 1994.

2) "مسيرة الملح" في الهند (The Salt March)

أسّس البريطانيون التجارة في الهند في أوائل القرن السابع عشر، وبعد انتفاضة عام 1857، سيطرت الإمبراطورية بالكامل على البلاد. قضى مهاتما غاندي عقدين من الزمن في جنوب أفريقيا في تطوير استراتيجيات للحراك السلمي وعاد بها إلى الهند. تركزت إحدى أكبر حملاته، المعروفة باسم "مسيرة الملح"، حول فرض الضرائب على الملح. بدأت المسيرة عام 1930، عندما قام غاندي ومجموعة من المشاركين بالمشي لمسافة تزيد عن 240 كيلومتراً. وكان الهدف الرئيسي للمسيرة هو الاحتجاج على الإجراءات البريطانية بالاحتكار المطلق للملح.

رغم أن مسيرة الملح لم تؤد إلى أي تغييرات مباشرة، إلّا أنها تُعتبر الشرارة لحركة الاستقلال الهندية، والتي أدت في النهاية إلى حصول الهند على الاستقلال عام 1942. تُعتبر المسيرة واحدة من أبرز الأحداث في تاريخ الهند المعاصر ولها أهمية كبيرة في حركات المقاومة غير العنفية على مستوى العالم.

3) حركة "الموجة الخضرا" في الأرجنتين ( The Green Wave)

في عام 1921، أصدرت الأرجنتين قانوناً يُجرّم الإجهاض، باستثناء حالات التعرض لجريمة الاغتصاب أو في ظل خطر يهدد حياة الأم. ونتيجة لهذا القانون، انطلقت حركة "الموجة الخضراء"، وهي حركة نسوية تمر عبر دول أمريكا اللاتينية بحثاً عن إجهاض قانوني وآمن ومجاني، تجتاح منطقة أمريكا اللاتينية الموجة الخضراء في ظل تعرض الكثير من الدول لأزمات اقتصادية وارتفاع في نسب الفقر، وهو ما يمنع النساء من الحصول على وسائل لمنع الحمل بشكل آمن.

ساهمت الحركة في تشريع الإجهاض في الأرجنتين عام 2020. في 14 كانون الثاني، وقع الرئيس الأرجنتيني قانوناً يسمح بالإجهاض خلال الأسابيع الأربعة عشرة الأولى من الحمل. ومنذ ذلك الحين، أصبح اللون الأخضر رمزاً لحقوق الإجهاض في بلدان أخرى مثل كولومبيا والولايات المتحدة.

4) تحالف "شاي الحليب" في آسيا (Milk Tea Alliance)

يتزايد الرفض الشعبي لنفوذ الصين على حكومات الشرق الآسيوي كتايلاند وتايوان وهونغ كونغ، مما جمع الشباب هناك في تحالف افتراضي هو "تحالف شاي الحليب" الذي يثور على نظامها وتدخلاتها في بلدانهم. فقد رفعت لافتات تحمل شعار التحالف الذي أسهم، أخيراً، في دعم التظاهرات والحراك لإيصال الأصوات المضادة للسياسة الصينية في بلادهم، وتحقيق الديمقراطية في الحكم دون تدخل أجنبي.

يُعد "تحالف شاي الحليب" مثالاً جيداً للحراك الرقمي. في عام 2020، انتشر التحالف بشكل واسع على الإنترنت بين ناشطين من تايلاند وهونغ كونغ وتايوان. وبدأ  التحالف الشبابي يتبلور كحركة افتراضية معارضة على الإنترنت، رداً على عدد من الصينيين القوميين الذين شنوا هجوماً لاذعاً على مشاهير تايلانديين عبروا عن آرائهم في قضايا متعلقة بغضب الشارع في هونغ كونغ وتايوان.

وسرعان ما اكتسب التحالف وجوداً في ميانمار والهند وماليزيا وإندونيسيا وإيران وأماكن أخرى. ويشير اسم التحالف "شاي الحليب" إلى ثلاث أنواع من المشروبات التقليدية الشهيرة التي تشترك فيها دول التحالف، وهي المشروبات التي لا تشتهر بها الصين. 

أين يمكننا العثور على فرص للتعلّم حول الحراك؟

هناك العديد من الطرق لمعرفة المزيد عن الحراك وكيفية المشاركة فيه، وتُعتبر الدورات والكتب والمناسبات والأحداث المحلية ثلاثة أمثلة جيدة للحصول على المعلومات.

1 – الدورات

بفضل انتشار الانترنت، أصبح البحث عن دروس مُخصّصة حول تاريخ الحراك والقضايا الاجتماعية واستراتيجيات الناشطين أسهل من أي وقتٍ مضى. وغالباً ما يلتحق النشطاء الأكثر خبرة بتدريس هذه الدروس أو المشاركة فيها، بهدف تمكين المشاركين من الاستماع إلى قصص ونصائح أشخاص ذوي خبرة في الحياة الواقعية.

2 – الكتب

تُعتبر الكتب تعتبر مورداً قيماً إضافياً. يمكنك الوصول إلى عدد لا يحصى من النصوص التي تتناول استراتيجيات الناشطين، وقصص النجاح، والسير الذاتية، وتاريخ الحراك، ومواضيع أخرى ذات صلة. تُعد المكتبات المحلية مصدراً رائعاً للمعلومات، بالإضافة إلى ذلك يمكنك العثور على الكتب عبر مواقع مخصصة لبيع الكتب على الإنترنت مثل Bookshop.org

3 – المناسبات والأحداث المحلية

إذا كنت مهتماً بالمشاركة المباشرة أكثر، فإن الدورات والكتب ليست الخيار الوحيد. يمكن أن تكون المناسبات والأحداث المحلية خياراً جيداً. يمكنك البحث عن المنظمات غير الربحية في منطقتك ومعرفة ما إذا كانت تقدّم فرص تطوعية. تنظم هذه المنظمات في كثير من الأحيان حملات جمع التبرعات وورش العمل والمحاضرات والأحداث الأخرى للجمهور. بالإضافة إلى ذلك، تُعد الأماكن مثل المراكز الدينية ومجموعات المساعدة المتبادلة والمنظمات الأهلية مكاناً جيداً للاطلاع على أنشطة الحراك والانخراط فيها.

ترجمة بيتنا أونلاين؛ المقال مترجم من 

https://shorturl.at/iuxzZ

 

مساحة إعلانية