السوريون وحلم الديمقراطية

مصطفى إبراهيم المصطفى ل baytna.online


تاريخ النشر 2022-12-27

عدد المشاهدات 18

أقل من دقيقة للقراءة

السوريون وحلم الديمقراطية

عنوان المقال: السوريون وحلم الديمقراطية

بقلم: مصطفى إبراهيم المصطفى

 

منذ ظهورها الأول وتطورها كنظام سياسي على مسرح التاريخ في العصر الحديث، شكلت كلمة "ديمقراطية" عامل جذب لكافة شعوب العالم وحركاتها التحررية. ولم يكن الحراك الجماهيري الذي شهدته الساحة العربية بمنأى عن ذلك، وبينما انتهت هذه التحركات إلى ما انتهت إليه، مازالت القضية السورية عالقة، ومازالت الديمقراطية هي مطلب الشعب السوري. فما هي الديمقراطية؟ وما هو الشكل الأنسب للحالة السورية؟

ترجع كلمة "ديمقراطية" في أصولها إلى الحضارة اليونانية، وهي مكونة من شقين: "Demos" بمعنى "الشعب" و"Kratos" بمعنى "السلطة". وبهذا فالكلمة لغويا تعني: سلطة الشعب، أو حكم الشعب، ومنه اشتق أشهر تعريف للديمقراطية بأنها "حكم الشعب للشعب وبالشعب"، ومع تطور أنظمة الحكم تتطور دلالات المفهوم، فشمول الديمقراطية لمختلف أوجه الحياة وتأثرها بالمعطيات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية دفع "جورج بيردو" إلى القول أن على الباحث في الديمقراطية أن يكون في الوقت نفسه مؤرخاً لفهم تكون الديمقراطية، وعالم اجتماع لدراسة تجذرها في الجماعة، وعالم اقتصاد لإدراك العوامل المادية المؤثرة في تطورها، وعالم نفس لمعرفة مصدر الطاقة الذي يغذيها، ومنظراً سياسياً لتحليل أثر الأنظمة والعقائد السياسية على مفهوم الديمقراطية، وأخيراً رجل قانون لتعريف المؤسسات الخاصة والمؤسسات السياسية التي تجسد الديمقراطية عملياً (1).

لقد أصبحت "الديمقراطية" بمفهومها العصري تتجاور كونها شكلاً من أشكال نظام الحكم، فهي تجاوزت نطاق المؤسسات الدستورية لتدخل في صلب العلاقات بين الأفراد والجماعات، فهي تدخل في تكوين شخصية الفرد والجماعة، وهذا ما عبر عنه "جورج بيردو" بقوله: "إن الديمقراطية هي فلسفة، ونمط عيش ومعتقد، وتكاد تكون عرَضاً شكلاً للحكومة"(2). لذلك، فالاعتقاد بأن الديمقراطية مجرد صندوق انتخابات يفرز أكثرية؛ هو اعتقاد فيه الكثير من المغالطة والتسطيح، فالديمقراطية ليست حكم الأكثرية وحسب، إنما حكم الأكثرية الساعية إلى تحقيق أهداف الديمقراطية، والمتمسكة بالقواعد والمبادئ التي ترتكز عليها المؤسسات الديمقراطية. فالحكم التعسفي ربما استند إلى إرادة الأكثرية (3).

من جهة أخرى، لم تكن عملية بناء الديمقراطيات الناشئة عملية سهلة أو سريعة، بل وباءت بعض التجارب بالفشل في بعض البلدان لأن العملية تحتاج إلى مزيد من الصبر والإرادة والحنكة والحظ. لقد رصد البروفيسور الأمريكي "إبراهام ف. لوينثال" مجموعة من التحديات المتكررة في عمليات الانتقال الديمقراطي، والتي تصلح في مجملها لأن تكون محددات لرسم خارطة طريق نحو الديمقراطية لقوى التغيير السورية، وهي:

  • التحضير للانتقال: إن القوى المحلية التي تسعى لإنهاء النظام الاستبدادي، عادةً ما تحتاج إلى ما يكفي لها من الدعم الواسع والتماسك والشرعية وغيرها من الموارد لتحدي قدرة النظام على الحكم، وكذلك حتى تصبح قوى منافسة بصورة معقولة كسلطة وطنية.
  • إنهاء النظام الاستبدادي: لم يسبق للحكومات الاستبدادية أن تخلت عن الحكومة طواعية، ما لم ير فصيل من داخل النظام أو قطاع مهم، على الأقل، أن عملية التخلي عن السلطة هي السبيل الوحيد لتجنب عواقب وخيمة. لذلك، يتعين على المعارضة ابتكار مناهج مهنية يمكنها أن تحفز هذه العناصر داخل الحكومة الاستبدادية حتى تصبح منفتحة وعلى استعداد لتقبل الانتقال.
  • نقل الإدارة والسلطة: إذ يترتب على أولئك الذين يستولون على السلطة العمل على تعزيز النظام المدني وإنهاء العنف، وفي الوقت ذاته كان من الواجب عليهم السعي لضمان عمل جميع قوى الأمن والاستخبارات ضمن إطار القانون.
  • الاستقرار وترسيخ الديمقراطية: وعند استقرار التحولات الديمقراطية، فإن كثيراً ما تواجه الزعماء السياسيين قضايا شائكة أخرى عديدة، فالجمهور سوف ينحي باللائمة في كثير من الأحيان، بعد بضع سنوات، على القادة الديمقراطيين، أو على الديمقراطية نفسها؛ لعدم تلبية التوقعات الاقتصادية أو السياسية (4).     

أخيراً، يعتقد الكثيرون أن الأنسب للحالة السورية هي الديمقراطية التوافقية، فماهي الديمقراطية التوافقية، وماهي خصائصها؟

تشير الديمقراطية التوافقية إلى أن مؤسسات تقاسم السلطة في المجتمعات التعددية تشجع على التعاون الجماعي بين النخب القيادية في أحسن الأحوال، وتجنب الصراع العرقي أو الطائفي في أسوئها، ما يجعلها أكثر ملاءمة للدول التي تكافح من أجل تحقيق ديمقراطية مستقرة وخلق نظام سياسي مستقر على الرغم من التباينات العرقية والطائفية (5). ويرجع الفضل في تطوير النموذج النظري للديمقراطية التوافقية لعالم الاجتماع الهولندي "آرنت ليبهارت" الذي تبنى مقاربة مختلفة في معالجة مشكلة الانقسامات داخل المجتمعات التعددية وعلاقتها بالديمقراطية، وذلك استناداً إلى التجارب الأوروبية الناجحة في كل من هولندا وبلجيكا والنمسا وسويسرا.

وتتميز الديمقراطية التوافقية – حسب "ليبهارت" - بعدة خصائص أهمها:

  1. الائتلاف الواسع: يعد بمثابة حجر الأساس للديمقراطية التوافقية. 
  2. الفيتو المتبادل: هو معيار مهم لا يمكن الاستغناء عنه لتشكيل حكومة ائتلافية. 
  3. النسبية: هي النموذج الذي تؤثر فيه كل جماعة في صناعة القرارات نسبة إلى قوتها العددية، ما يمهد الطريق لإزالة عدد كبير من المعوقات والمشاكل المسببة للانقسامات في عملية صنع القرارات، وتنعكس النسبية في الديمقراطية التوافقية حسب "ليبهارت" في جانبين رئيسيين:
  • التوزيع العادل للتعيينات في الإدارات العامة وللموارد على مختلف القطاعات المشكلة للائتلاف الواسع بصورة تعكس حجمها الحقيقي وأهميتها داخل المجتمع التعددي.
  • إشراك الفئات المؤتلفة في آليات ومواقع صنع القرار بصورة تتناسب كذلك مع حجمها وأهميتها بما يضمن صنع القرارات عن طريق التوافق والإجماع (6).

رغم جاذبيتها وتناسبها مع المجتمعات التعددية كالمجتمع السوري؛ تبقى الديمقراطية التوافقية بحاجة إلى الكثير من الوعي والإرادة والتعاون، فبعض الشعوب التي خاضت هذه التجربة لم تكن نخبها موفقة في أدائها مما تسبب في تعطيل أداء الدولة وقلة فاعليتها، ولنا في التجربة اللبنانية عبرة حسنة. 

 

قائمة المراجع

(1) BUDEAU (G), La Democratie, Paris, Ed. Du Seuil, 1978, P. 9.

(2) المرجع السابق، ص 9.

(3) عصام سليمان، مدخل إلى علم السياسة، دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 1989، ص 217.

(4) إبراهام ف. لوينثال، التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي: الدروس المستقات من القادة السياسيين لبناء المستقبل، ص 13، 14، 15، 16، 17. متاح على موقع المركز الإلكتروني: https://www.idea.int/sites/default/files/democratic-transitions-AR-chapter-11_0.pdf 

(5) Pippa Norris Stable Democracy and good Governance divided societies: Do power- sharing institutions work? Cambridge (USA): john F. kennedy. School of Govermet. Harvard University. 2005. P 03

(6) آرنت ليبهارت، الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد، ترجمة: حسني زينة، بغداد: معهد الدراسات الإستراتيجية، 2006.

          

مساحة إعلانية