مقال رأي : تطوير المجتمع المدني السوري ما بين المنظور الوظيفي والبنيوي

بشار نرش (كاتب وباحث أكاديمي سوري) Baytna.online


تاريخ النشر 2022-11-3

عدد المشاهدات 88

أقل من دقيقة للقراءة

مقال رأي : تطوير المجتمع المدني السوري ما بين المنظور الوظيفي والبنيوي

مقال الرأي: بقلم د. بشار نرش أحد المقالات الفائزة بمسابقة بيتنا أونلاين للمقالات القصيرة و مقالات الرأي. 

العنوان: تطوير المجتمع المدني السوري ما بين المنظور الوظيفي والبنيوي 

تحتاج عملية تقويم قدرات المجتمع المدني اللجوء إلى مقاربات منهجية أكثر قدرةً على تحليل وتفسير مختلف الأدوار التي يمكن أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني، خصوصاً في مجال حقوق الإنسان، وتلك التي ترتبط بتحقيق التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي، ومن أهم المقاربات المستخدمة في هذا المجال منظورين أساسيين هما: المنظور الوظيفي، والمنظور البنيوي.

 يأخذ المنظور الوظيفي في عملية التقويم لقدرات المجتمع المدني بعين الاعتبار وظيفة منظمات المجتمع المدني سواء بالنسبة للمنظمات غير الحكومية أم للتنظيمات المهنية المختلفة، ووفقاً لهذا المنظور، تتحمل منظمات المجتمع المدني بعضاً من الأعباء الرعائية والخدمية لملء الدور الذي تنسحب منه الدولة في توفير حاجات الفئات المختلفة من السكان، إلى جانب قيامها بتنمية بعض المجتمعات المحلية بالمعنى المحدود من خلال بعض المشروعات الصغيرة المدرة للدخل، فمنظمات المجتمع المدني وفقاً لهذا المنظور، لا تهدف إلى إحداث تغيير جذري في نظام المجتمع، كما أنها لا تساهم في تعظيم مشاركة المواطنين، بل أنها تعمل في إطار محافظ يهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم، وتركيز آليات صناعة القرار في يد القيادات الحاكمة لهذه التنظيمات. وبالتالي، فإن هذا المنظور يفصل فصلاً كاملاً بين ما هو مدني وما هو سياسي، ويستبعد الأحزاب والمنظمات السياسية من أن تكون جزءاً من المجتمع المدني، وذلك لعزل القوى التي تملك فكراً سياسياً للتغيير.

طبعاً، هذا النوع من المنظمات كان سائداً في سوريا في الفترة التي تلت وفاة رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد، ومن بعده رئاسة نجله بشار، حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث لم يكن مصطلح المجتمع المدني قبل عام 2011 شائعاً في سوريا، إلّا لدى نسبة قليلة كانت أصلاً تنشط في المجال العام في ظل السلطة أو بعيداً عنها، أو حتى بإشرافها المباشر.

أما المنظور البنيوي، فيرتبط بشكل أساسي بدور منظمات المجتمع المدني في المساهمة في عملية التحول السياسي والاجتماعي للمجتمع، باعتبارها أحد الفواعل الأساسية في هذا التحول والبناء.

 ووفقاً لهذا المنظور، يتسم دور منظمات المجتمع المدني بعلاقته بمختلف مؤسسات المجتمع الأخرى، باعتباره عنصراً يؤدي إلى التوازن الاجتماعي للقوى الفاعلة وليس تابعاً أو ملحقاً بتلك العناصر الأخرى، كما أن دور منظمات المجتمع المدني وفقاً لهذا المنظور يتجاوز الدور الرعائي الخدمي إلى الدور التنموي الذي يرتبط بالتمكين وتعظيم القدرات ومنع العنف وحماية الحقوق وترقيتها، بمعنى العمل على تغيير الواقع هيكلياً، وتعظيم القدرات والدفاع عن حقوق الإنسان، وتمكين القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير بالشكل الذي يعطيها الشرعية، ويضع تطويرها في إطار تطوير البنى الاجتماعية للمجتمع، من خلال توسيع المشاركة السياسية للناس في الحياة السياسية والعامة وترسيخ فكرة المواطنة، ومن ثم المساهمة في إيجاد ودعم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وبالتالي، وفقاً لهذا المنظور، يكون المجتمع المدني أوسع من مجرد جمعيات خيرية أو منظمات إغاثية، ليشمل قائمة واسعة من التنظيمات، مثل المنظّمات غير الحكومية وغير الربحيّة، والجمعيّات الأهلية والخيرية، وشبكات الدعم غير الربحية، والحركات والنوادي الاجتماعية، والاتّحادات والنقابات، والمنتديات والرابطات، والأحزاب السياسية وغيرها، وهذا النوع من المنظمات شاع بشكل واسع في سوريا بعد عام 2011، الذي اندلعت فيه الاحتجاجات الشعبية في سوريا، بعد أن فقدت السلطة قدرتها على استمرار إجراءات الرقابة والتشديد على المجال العام الواقعي والافتراضي، فأخذ المجتمع المدني السوري العديد من الأشكال من نقابات واتحادات وروابط ومجالس تمثيلية ذات طابع ديني وقبلي ومنظّمات وجمعيّات وفرق تطوعية وشبكات وغيرها.

بالمحصلة، يمكن القول إنّ المجتمع السوري وفي ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية خلال السنوات التي أعقبت الانتفاضة الشعبية احتاج إلى الدورين السابقين، وخصوصاً الدور البنيوي، وقد أثبتت تجربة المجتمع المدني السوري في ظل البيئة غير المستقرة، درجة جيدة من الاستجابة سواء من ناحية تنفيذ الأنشطة أو نوعيتها، ومع ذلك لم تخلُ التجربة نتيجة لحداثتها من وجود العديد من العوامل التي أثرت وما تزال تؤثر على إطارها العملياتي والمؤسساتي، وتسببت في ظهور مجموعة من السلبيات، الأمر الذي يدفع إلى تقديم مجموعة من الملاحظات المهمة لتطوير عمل المجتمع المدني السوري، ومن أهمها: 

  • التخلص من التبعية وتأثير الهيئات الدولية المانحة في مشاريعها ومِنَحِهَا للمجتمع المدني السوري التي تركز في أغلبها على الدور الوظيفي على حساب الدور البنيوي، فالعديد من منظمات المجتمع المدني تأثر بشكل كبير وواضح بالضغوط غير المعلنة من مؤسسات التمويل الدولية والجهات المانحة للتركيز على ما يلائم الأجندة الدولية من القضايا، والتي وإن كان هدفها أحياناً إحداث تغيير، فهو بالقطع ليس ما تعنيه بالتغيير الاجتماعي وفقاً للمنظور البنيوي.
  • ضرورة ادراج المجتمع المدني ضمن أولوياته في عمل برامج متكاملة لمحاربة الفساد والتغيير الاجتماعي ولعب دور تعبوي للقوى الاجتماعية في المجتمع السوري من أجل تغيير ما يمكن تغييره من الأوضاع في المجتمع، وبالشكل الذي يقود إلى تفعيل الممارسة التشاركية (ديمقراطية المشاركة)، التي لا يمكن فصلها عن العدالة الاجتماعية. 
  • ضرورة اعتماد الشفافية كمبدأ أساسي في عمل المجتمع المدني، لا سيما على الصعيدين المالي والإداري، مع ضرورة اعتماد نظام واضح للمساءلة والمحاسبة الداخلية، بما تتضمنه من انتخابات دورية وتداول للسلطة وعدم استغلالٍ للنفوذ، فلا يمكن للمجتمع المدني أن يطالب بهذه المعايير من دون أن يطبقها على نفسه. 
  • ضرورة التفكير ووضع الخطط الاستراتيجية، والبناء عليها لضمان استمرار هذه المنظمات وإنتاجيتها وتنوع مصادر تمويلها وتطوير قدراتها، وصولاً إلى الاعتماد على الموارد الذاتية للانتقال بها من مفهوم المنظمات والمؤسسات الخيرية الرعائية (المنظور الوظيفي) إلى المنظمات والمؤسسات التنموية (المنظور البنيوي). 

مساحة إعلانية