مقال رأي: دستور السلام السوري

عامر فرسو


تاريخ النشر 2022-11-22

عدد المشاهدات 11

أقل من دقيقة للقراءة

مقال رأي: دستور السلام السوري

عنوان المقال: دستور السلام السوري

بقلم: عامر فرسو

منذ الأزل، والإنسان في فكره، وفي مسعاه للخلود، يمر بمراحل فكرية تتناسب ودرجة وعيه الفردي، والوعي الجمعي في أي مجتمع كان؛ ولعل أهم مرحلة إذا جاز التعبير للخلود، هي مرحلة تيقن الإنسان أن تحقيق السلام للبشرية، هو الوجه الدائم، والمطلق لخلود الإنسان المعنوي، طالما أن الخلود الفيزيائي محال على البشر، على الأقل في ظل اللحظة الوجودية الراهنة على المستويات العلمية كافة، والتي تقف عاجزةً عن تحقيق حلم الإنسان في الخلود.

إذا ما تيقن كل فرد منا، ورفع شعار السلام، لأجل خلود الإنسان، وبقائه على وجه هذه البسيطة، فإن شعور الانتماء هذا، يلزمه الكثير من التعزيز في الوعي الفردي، والمؤسساتي، ولو أخذنا على هذا المبدأ جغرافيات محددة تعاني حالة الصراع جراء أسباب تاريخية قديمة، لم يعد يتناسب ذكرها مع الخرائط  الجغرافية السياسية الراهنة، والتي تعيق ظهور بوادر الحلول والانفراجات للمسائل المستحكمة، وعليه، يتحتم علينا تجاوز الأسباب التاريخية للصراع في تلك المناطق، ولكن على مبدأ أحقية الحقوق، والتسليم بحق الجميع في الأرض، وفي قرار المستقبل، وأفضلية التركيز فقط على عرض المسائل العالقة، والتي من شأنها أن تؤجج حالة الصراع القائم، والتركيز على كيفية النهوض بمنظمات المجتمع المدني، لإيجاد حلول مجتمعية متنوعة نتجاوز من خلالها حالة الصراع القائمة.

لابد أن تعمل منظمات المجتمع المدني على ترسيخ مبدأ السلام، الذي هو ضرورة وعقيدة حياتية، ولكن، كيف يغدوا السلام عقيدة حياتية، وكيف يمكن تعزيزه؛ للوصول لحالة سلام مستدام، يضمن الخلود المعنوي للإنسان، أي يضمن سلام وأمان المجتمع. 

من دون شك سوريا، في مقدمة تلك الجغرافيات، التي تعاني من حالة صراع على الوجود، ولكن أي وجود نقصد؟ فلم يعد خافياً على أحد أن الصراع أخذ منحى الاصطفافات العرقية، والإثنية، والطائفية في سوريا، والتي دُفِّء معظمها في حضن قوى دولية؛ خوفاً من حالة الفوضى، والتشرذم، والثقة، التي تعتري تلك المكونات "داخل جغرافيا الوطن"؛ وهذه القوى الدولية، التي أصبحت تدعم المكونات السورية وتحركها حسب مصالحها الجيواستراتيجية في المنطقة؛ فزاد هذا حالة الشرخ والتباعد بين المكونات، وأثّرت في التصدع الاجتماعي بشكل واضح. من هنا يبرز دور المجتمع المدني، بمختلف مؤسساته، لمقاربة واضحة وممنهجة من مفهوم السلام وبنائه؛ لتشكل قاعدة متينة لأجل مستقبل سوريا بمكوناته كافةً، و لكن، هنا لا بد لمؤسسات المجتمع المدني من خلق آليات عمل جديدة، تتناسب مع ما وصلت إليه حالة الصراع في سوريا، وتجاوز الشكل التقليدي، الذي درجت عليه طوال السنوات العشر الفائتة؛ فلا يخفى على أحد حالة المناطقية التي تسيطر على عمل منظمات المجتمع المدني، حيث تنشط تلك المنظمات في مناطقها بمشاريع وأنشطة لا تعكس أثراً على كامل الجغرافيا السورية، رغم أن تلك المنظمات تسعى جاهدة إلى إشراك أطياف المجتمع كافة في أنشطتها، إلا أن ذلك يتم بالشكل الظاهر فقط دون الجوهر، حيث لا تنعكس تلك الأنشطة على التقارب المجتمعي، واندماج المكونات بالمستوى المطلوب، حتى في تلك المناطق؛ فكيف الأمر بكامل الجغرافيا السورية؟

ناهيك عن اقتصار الحضور على المستفيدين المباشرين نفسهم في معظم الأنشطة والمشاريع، علماً أن أغلب علاقات المستفيدين تنتهي وتزول مع نهاية أي عمل مشترك، أي لا تترك أثراً فكرياً وثقافياً حاملاً لقيم ومفاهيم حياتية يمكن البناء عليها لأجل بناء السلام. 

ويمكن الاستدلال على قصور دور المجتمع المدني في بناء السلام في سوريا، من خلال ما آلت إليه الأمور من رضوخ المكونات الشعبية للتقسيمات الجغرافية العائدة لكل سلطة محلية، وتسليم مصيرها لتلك السلطات ولأجنداتها، أي وصول الحالة بالمجتمع السوري إلى نسيان الآلام التي جمعتهم ووحدتهم، إلى التمسك بحلول الخلاص الذاتية والمناطقية، وبالتالي، عزز هذا الأمر من حالة التصدع واللاسلم.

لبناء سلام مستدام، يترتب على منظمات المجتمع المدني التركيز على تعزيز منظومة جديدة من القيم الحياتية لأبناء المجتمع كافة، وكلٌّ حسب كيفية وآلية الوصول المناسبة له.

 وهذا الأمر يتطلب منهجية للتعامل مع عامل الزمن، وأثر المخرجات، حتى الوصول إلى أرضية مناسبة لبدء بمشروع أعم وأشمل، والذي لا بد أن تقوده منظمات المجتمع المدني، وهو "دستور السلام السوري".

هذا الدستور، الذي يأخذ السلام له عنواناً، لن يتحقق إلا من خلال التأسيس لتقارب روحي ومعنوي بين مكونات المنطقة الواحدة لتنعكس كفكر وثقافة على كامل سوريا، ومن جهة أخرى، على منظمات المجتمع المدني العمل على تأسيس مصالح اقتصادية مشتركة بين تلك المكونات، من خلال مخرجات المشاريع المهنية والتي ستعزز روح العمل المشترك، والآمال المشتركة، حتى وأن كانت على نطاق ضيق.

فمتى ما وجد كل فرد على تراب سوريا ضالته في الأمان، والاستقرار ضمن دستور السلام السوري، المترافق بالوعي والانتماء الصادق؛ فإن حالة الصراع ستزول رغم المخططات الخارجية كلها.

مساحة إعلانية