مقال رأي: دور منظمات المجتمع المدني في بناء السلام لسوريا المستقبل

طارق السواح


تاريخ النشر 2023-08-31

عدد المشاهدات 63

أقل من دقيقة للقراءة

مقال رأي: دور منظمات المجتمع المدني في بناء السلام لسوريا المستقبل

عنوان المقال: دور منظمات المجتمع المدني في بناء السلام لسوريا المستقبل

بقلم: طارق السواح

لكل مرحلة في حياة المجتمعات قضاياها الملحة والتي تكون وليدة المرحلة التاريخية الراهنة، لذلك كان من الطبيعي أن تطفو على السطح قضايا العدالة الانتقالية وبناء السلام وما شابهها كنتاج طبيعي لسنوات الحرب التي عصفت بالسوريين على امتداد مساحة الوطن، وتعد قضية إحلال السلام والتعايش، ومن ثم الاندماج في المجتمعات المنقسمة والمجتمعات الخارجة من الحرب من القضايا التي تصنف على أنها من الأولويات، وجرت العادة أن تعول الجهات المعنية ببناء السلام على منظمات المجتمع المدني بأن يكون لها دوراً فعالاً في هذه العملية كونها منظمات تتبع النهج السلمي كخط عام لأنشطتها المتنوعة.   

يقوم بناء السلام بشكل أساسي على التعامل مع الأسباب الكامنة وراء اقتتال الناس فيما بينهم في المقام الأول إلى جانب دعم المجتمعات لإدارة خلافاتها ونزاعاتها دون اللجوء إلى العنف، وهو يهدف إلى منع اندلاع العنف الذي يمكن أن يبرز إلى السطح قبل وأثناء وبعد النزاعات، وتصاعده واستمراره وتكراره. (1) وينظر إلى منظمات المجتمع المدني كوسيط محتمل يصلح لهذه المهمة، فمن أهم الوظائف التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني إشاعة ثقافة مدنية ترسي قيم النزوع للعمل الطوعي، والعمل الجماعي، وقبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخر، وإدارة الخلاف بوسائل سلمية في ضوء قيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي. 

إن التعامل مع الأسباب الكامنة وراء اقتتال الناس وشعورهم بعدم الرضى ليست بالمهمة السهلة، فقد تكون تلك الأسباب عادات وسلوك متجذر في ثقافة المجتمع، فعلى سبيل المثال: يمكن التمييز "بين العنف الذي هو بالأساس جسدي والعنف الذي لا يتضمن أي اتصال جسدي لكن قد تكون له تأثيرات نفسية. العنف من هذا النوع يمكن أن يظهر باعتباره شكلاً صامتاً من عدم الاحترام الشديد، والناس الأكثر فقراً، أولئك المهمشون بسبب فقرهم ووصفهم الاجتماعي والجندر والعمر أو الإعاقة قابلون لأن يمروا بهذا الشكل من عدم الاحترام العنيف بشكل أقوى. عدم الاحترام هذا يعبر عنه ببساطة بالرفض السلبي لوجودهم؛ أي بمعاملتهم كأنهم غير موجودين، أو لا علاقة لهم بالحياة اليومية، وغالباً ما يكون ذلك واضحاً حيثما تكون اللامساواة منتشرة ومأسسة. عندئذ تصبح المعاملة غير الحقة جزءاً من البيئة الاجتماعية". (2)

وعند التعمق في مثل هذه القضايا وتعميمها على مستوى المجتمع السوري بكافة أطيافه  -سواء على المستوى الفردي أم على مستوى الجماعات-،  قد يكتشف المرء أن هذا الشكل من البيئة الاجتماعية قد يكون أس المشكلة ومنطلق عملية بناء السلام لسوريا المستقبل، لذلك تعد عملية بناء السلام عملية طويلة الأجل وتعاونية لأنها تنطوي على تغييرات في المواقف والسلوكيات والأعراف والمؤسسات، ولذلك أيضاً، يعد التعويل على منظمات المجتمع المدني بأن تضطلع بدور مهم في عملية بناء السلام غير مناف للصواب، إذ يفترض أن أعضاء هذه المنظمات يتبنون قيم العدالة والمساواة كحالة متقدمة عن السائد في المجتمع، كما يفترض أن نشر هذه القيم وتعميمها يعتبر في صلب أهداف هذه المنظمات. 

وفي سياقٍ متصل، غالباً ما تكون تلك المنظمات وأعضاؤها خارج نطاق دوامة العنف الدائر، وهو ما يؤهلها لتلعب دور الوسيط المحايد أو شبه المحايد. "فمجموعات المجتمع المدني والمنظمات يمكنها أن تقرب الناس من بعضهم على أساس الهويات التي يشتركون بها، لا تلك الهويات التي فرقتهم في السابق. مثلاً، عندما يلتقي الناس بوصفهم صحفيين، أو أصحاب أعمال وتربويين، أو أعضاء نقابات عمالية، وعندما ينتقون من كلا الجانبين المتنازعين سابقاً أشخاصاً يحضرون معهم شبكة جاهزة من جهات الاتصال، وأيضاً وسائل الاتصال مع هذه الجهات. بعدئذ يكون في متناول أيديهم إمكان توليد رسائل جديدة تصاغ بالشراكة حول طرائق جديدة للتواصل فيما بينهم وللعمل معاً". (3)

ويشار إلى منظمات المجتمع المدني كأطراف مؤثرة في ديناميكيات الصراع، فرغم أن هذه المنظمات قد تنخرط في الصراع الدائر، كما في الحالة السورية، إلا أنها تسعى لتحقيق أهدافها بالطرق السلمية دون اللجوء إلى العنف، وهي بهذا تطرح منهجاً بديلاً أمام مجتمع يرغب في إحداث التغيير. لذلك، "يمكن لهذه الأطراف النابذة للعنف أن تؤدي دوراً هاماً في ردم هوة ديناميكيات العنف وإتاحة المجال أمام خيارات بديلة، ويمكن للأطراف الملتزمة بالسلام أو الساعية إلى تحقيق أهدافها بطرق سلمية أن تؤدي أهم دور لها في عملية تسوية الصراعات من خلال قدرتها على التأثير في ديناميكيات الصراع". (4)

من ناحية أخرى، يقترح بعض الخبراء المزيد من المشاركة المجتمعية في عملية بناء السلام نظراً لأهميتها في استقرار المجتمع كونها تحقق مزيداً من تمثيل مصالح الفئات المهمشة، "وتوسيع نطاق المشاركة العامة يستدعى إشراك أطراف أخرى في جميع مراحل عملية السلام قبل وأثناء وبعد التوقيع على الاتفاقيات. أطراف تضمن أن تتم عملية سلام جادة وحقيقية، تزيل المظالم وتؤسس لسلام مستدام. ولربما من أهم هذه الأطراف هي منظمات المجتمع المدني، والتي أثبتت تجارب السلام حول العالم أن مشاركاتها كانت دائماً تنعكس بشكل إيجابي على تحقيق سلام شامل، عادل ومستدام". (5)

وفي النهاية، يصعب على الباحث حصر جميع الأدوار التي يمكن أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني من خلال مقال مقتضب؛ لما تمتلكه هذه المنظمات من أساليب إبداعية ومتجددة، إلا أن ما يجب التأكيد عليه، هو أن التعويل على دور منظمات المجتمع المدني في بناء السلام في سوريا المستقبل هو تعويل غير منافٍ للصواب، شريطة دعم هذه المنظمات وتقويتها وتطويرها.

 

المراجع

  1. ما هو بناء السلام؟ https://www.international-alert.org/ar/about/what-is-peacebuilding/  تمت المراجعة 1/ 4/ 2023.
  2. أمارتيا سن، السلام والمجتمع الديمقراطي، ترجمة: روز شلومي مصلح، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، 2016، ص 79، 80.
  3. أمارتيا سن، نفس المرجع، ص 104.
  4. بيتر فالنستين، مدخل إلى فهم تسوية الصراعات، ترجمة: سعد فيصل السعد ومحمد محمود دبور، المركز العلمي للدراسات السياسية، عمان، ط1، 2006، ص 64.
  5. عامر صالح، دور منظمات المجتمع المدني في تحقيق سلام مستدام. https://2u.pw/kFHs5C  تمت المراجعة 4/ 4/ 2023.

مساحة إعلانية