مقال رأي: عن سيادة القانون في سوريا

رافاييل لايساندر


تاريخ النشر 2022-11-7

عدد المشاهدات 32

أقل من دقيقة للقراءة

مقال رأي: عن سيادة القانون في سوريا

مقال رأي: بقلم رافاييل لايساندر أحد المقالات الفائزة بمسابقة بيتنا أونلاين

العنوان: عن سيادة القانون في سوريا

إن المتابع للشأن السوري وأخباره اليوم، يلاحظ فوراً غياب سيادة القانون، سواءً في مناطق النظام أو المعارضة. رغم ذلك، لا يشكل تطبيق القانون هاجساً لدى المواطن السوري، ونرى في استبيان أجرته منظمة اليوم التالي أن تحسين الوضع المعيشي يسبق تشكيل القانون، ولا فكرة لدى أحد، على ما يبدو، عن مدى أهمية سيادة القانون بالنسبة للدولة والفرد، ولا كيفية تطبيقها. 

تاريخياً، لم يعلُ صوت القانون في ظل حكم النظام البعثي أبداً في الحقيقة. فرغم وجود الأحكام الجزائية لحماية مصالح المواطنين ومعاقبة المجرمين، ورغم دراسة القضاة والمحامين للقانون في الجامعات، إلا أن كل ذلك هو مجرد مظهر تجميلي خادع يوحي بدولة قانون، لكن السيادة الحقيقية هي للأحكام العرفية في ظل حالة الطوارئ، التي تعطي للطغمة الحاكمة سلطة مطلقة، وفوق ذلك تجاوز المساءلة أمام القانون.

خلقت هذه الحالة بيئة تنتهك فيها السلطات الحقوق والحريات الأساسية للشعب السوري على نطاق واسع، وتتخذ فيها إجراءات تعسفية لإسكات المنتقدين باسم الحفاظ على الأمن القومي. ويحظر القانون مخالفة الأوامر الصادرة عن الحاكم العرفي، ويهدد بأقصى العقوبات الجرائم "ضد أمن الدولة والنظام العام"، والجرائم "ضد السلطة العامة"، والجرائم "التي تزعزع ثقة الجمهور"، والجرائم التي تشكل "خطراً عاماً" بكل بساطة وعمومية.

في مناطق المعارضة، ليس من الواضح بادئ ذي بدأ ما هو القانون الذي تحتكم به المحاكم، ولا التشريعات التي توجه عمل المجالس المحلية. المحاكم العاملة هي أشبه بمؤسسات فض النزاعات؛ كل ما تفعله هو حل الخلافات و"محاولة" حماية حقوق المواطنين ما أمكن، وليس لها سلطة واسعة تشمل جميع أفراد المجتمع، وليست شاملة في أحكامها.

رغم النقاش الدائر حول القانون وتطبيقه منذ قوانين حمورابي، فإن سيادة القانون لم تُعرف من الناحية النظرية قبل القرن العشرين. بدلاً من ذلك، كان يُنظر إليها فقط على أنها منتج مرغوب فيه لعملية التطور التاريخي. حتى أتى الفقيه القانوني الإنجليزي ألبيرت ديسي، والذي سيكون من الممكن تحديد الجوهر المعياري لسيادة القانون وفق تعريفه. يقول:

"تعني سيادة القانون، في المقام الأول، السيادة المطلقة أو هيمنة القانون الدائم على عكس تأثير السلطة التعسفية، ويستبعد وجود التعسف أو الامتياز أو حتى السلطة التقديرية الواسعة من جانب الحكومة ... وهذا يعني، مرة أخرى، المساواة أمام القانون ... تستبعد "سيادة القانون" بهذا المعنى فكرة أي إعفاء للمسؤولين أو غيرهم من واجب الامتثال للقانون الذي يحكم المواطنين الآخرين أو من اختصاص المحاكم العادية ... فكرة أن الشؤون أو النزاعات التي تُعنى بها الحكومة أو موظفوها هي خارج نطاق المحاكم المدنية غير ]مقبولة في القانون[". [1]

التعريف له ثلاثة عناصر. تحظر سيادة القانون ممارسة السلطة التعسفية، ويخضع المسؤولون للقانون، وتُمنع السلطة التنفيذية من إنشاء محاكم خاصة عندما يرفع المواطنون دعاوى ضد السلطة التنفيذية. 

وبينما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، على أن "حقوق الإنسان يجب أن تحميها سيادة القانون." لا يوجد تعريف دولي ملزم لسيادة القانون. وعرّفها الأمين العام كوفي عنان عام 2004 على النحو التالي:

"مبدأ الحكم الذي يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات، العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة نفسها، قادرين على تطبيق القوانين الصادرة علنًا، وتنفيذها بشكل متساوٍ والفصل فيها بشكل مستقل، وتكون متفقة مع حقوق الإنسان والقواعد والمعايير الدولية. كما يتطلب اتخاذ تدابير لضمان الالتزام بمبادئ سيادة القانون، والمساواة أمام القانون، والمساءلة أمام القانون، والإنصاف في تطبيق القانون، والفصل بين السلطات، والمشاركة في صنع القرار، واليقين القانوني، وتجنب التعسف، والشفافية الإجرائية والقانونية".

استُخلِص هذا التعريف من تقرير للأمين العام سُلم إلى الجمعية العامة عام 1994، ونص أيضاً على أن الدول التي تسعى إلى سيادة القانون يجب أن تمتلك "دستوراً قوياً، يتضمن حقوق الإنسان والحريات المعترف بها دولياً". يحتوي مفهوم سيادة القانون الذي تروج له المنظمات الدولية على أكثر من مجرد السمات الضرورية للفصل الحيادي في المنازعات، وتحميل الدولة نفسها المسؤولية عن الأخطاء القانونية. كما يشير إلى الأحكام الموضوعية التي تحدد مجموعة من الأخطاء التي ستكون قابلة للتنفيذ، والتي ترتبط بالتعريف المتطور لحقوق الإنسان. 

نفهم مما عُرض، أن مطلب سيادة القانون ليس ثانوياً بعد مطلب تقرير الحاكم والدستور، بل هو مطلب رئيسي لضمان تطبيق القانون على الحاكم والسلطات التنفيذية، مهما كان القانون الذي يختاره السوريون بالتوافق.

سيادة القانون هي وسيلة لضمان عدم سيطرة المصالح الشخصية ونزعة السيطرة على الأشخاص ذوي السلطة. بدون قوانين تطبق على الكل بالتساوي تصبح الدول عصابات، حيث يضايق العنيف المُتسلح بالقوة البقية. القوانين الجيدة المطبقة على الكل بالتساوي هي أقوى أذرع الشعب. 

كما تضمن سيادة القانون تكافؤ الفرص في المشاركة في الحكومة وتقلد المناصب العامة، بغض النظر عن الحزب أو الثروة أو العلاقات. إن العقوبة أو المكافأة على أساس الانتماء الجماعي بدلاً من الأفعال والصفات الفردية تقوض سيادة القانون. عندما يحدث ذلك، فإن خراب الجمهورية ليس سوى مسألة وقت.

في ذات الوقت، من المهم الانتباه إلى أنه حتى القوانين المثالية يجب أن تزرع في تربة صحية، وإلا فإنها ستتعفن. إن أفضل علاج للقوانين الضعيفة هو الاهتمام بأسسها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتكمن مهمتنا في استنباط قوانين لديها المؤهلات لتقديم الفائدة والمساواة، وزرعها في تربة صالحة.

 lbert Venn Dicey, Introduction to the Study of the Law of the Constitution, (London: Macmillan, 1915)

مساحة إعلانية